ثقافةمجتمع

الثقافة العربية وعقبات التنمية الحديثة

إعداد: د.عمر بن لحسن أبوأحمد

ان هذا الطرح يلامس الجوهر الحقيقي لأزمة التنمية والتحديث في الفضاء العربي المعاصر؛ فمفهوم الثقافة – حين تتحول من كونها نسقاً حياً لإنتاج المعنى وتحفيز الفعل إلى منظومة مغلقة من الأنماط المكررة والمسلمات المستقرة – قد تمسي فعلاً عائقاً بنيوياً يعرقل مسار التقدم.

وهذا يجعلنا كباحثين ورواد بالوطن الكبير ان نقوم بقراءة تحليلية ورؤية حديثة تتماشى مع فكر وفهم المواطن لتشخيص هذه الإشكالية وتفكيك آلياتها :

أولاً :
أزمة المفاهيم.. من “الثقافة الحية” إلى “الثقافة المتحفية”

لكي نفهم كيف تتحول الثقافة إلى عائق، يجب التمييز بين مفهومين :

الثقافة كديناميكية وعملية :

وهي الكائن الحي الذي يتجدد، وينتقد ذاته، ويستوعب شروط العصر، ويوظف القيم الكونية

(كالعقلانية، والمسؤولية الفردية، والإنتاجية) لخدمة إنسان العصر.

الثقافة كموروث متحفي :

وهي الحالة التي يتم فيها تقديس الأشكال التاريخية للثقافة واعتبارها قالبًا نهائياً غير قابل للمراجعة.

هنا يتوقف الزمن، وتتحول الذاكرة من وقود للمستقبل إلى قيد يعطل الحركة .

ثانياً :

الآليات التي تتحول بها الثقافة إلى عائق تنموي

ثقافة الاتكال واستسهال التسويغ :

في بعض البنيات الثقافية التقليدية، يتم إعادة إنتاج تفسيرات مشوهة لمفاهيم كالقضاء والقدر، أو الرضا بما قسم الله، بحيث يتحول التسليم الإيماني إلى تبرير للعجز..، والكسل المنهجي..، وتراجع روح المبادرة..، وغياب التخطيط الاستراتيجي للمستقبل.

هيمنة ثقافة النص على ثقافة العقل والعمل :

حين تنفصل الثقافة عن سياقها الإنتاجي والتجريبي، تتحول إلى مجرد استظهار واستهلاك لفظي، وتتعطل آليات التفكير النقدي والسؤال العلمي.

يصبح الخطاب الثقافي منشغلاً بالشكل على حساب الجوهر، وبالماضي على حساب تحديات الحاضر.

الخوف من الاختلاف وتجريم الاجتهاد :

تتسم الثقافة المعوقة بغلبة النزعة الجماعية القسرية التي تلغي الفردانية المسؤولة، حيث يُنظر إلى أي نقد جريء أو رؤية تجديدية خارج الصندوق على أنه تهديد للهوية.

هذا يخلق بيئة طاردة للكفاءات ومحبطة للإبداع.

استنزاف الدافعية وتسطيح الطموح :

عندما تغيب العدالة المؤسسية وتتراجع قيمة الجدارة، تتبنى الثقافة السائدة آليات تكيّف دفاعية تقوم على القبول بالحد الأدنى من الإنجاز، مما يحول الحافز الإنساني من الرغبة في التميز إلى مجرد البقاء في المنطقة الآمنة .

ثالثاً :

رؤية حديثة للخروج من المأزق (نحو ثقافة مُنتجة للتنمية)

إن تجاوز هذا العائق لا يتطلب ( سلخاً ) للسلّم القيمي أو تنكراً للهوية، بل يتطلب ثورة نقدية في المنهج والوعي :

1 ) الانتقال من ثقافة التمجيد إلى ثقافة المساءلة :

إخضاع الموروث الثقافي والاجتماعي لقراءة نقدية شجاعة، تسأل دائماً :

أي من هذه القيم يخدم شروط الكرامة والتقدم الإنساني اليوم، وأيها تحول إلى عبء زمني يجب تجاوزه؟

2) إعادة الاعتبار للعقلانية المؤسسية :

الثقافة لا تتغير بالشعارات بل بتغيير الهياكل والمؤسسات التي تنتجها.

إن بناء مجتمع المعرفة، واعتماد الحوكمة الرشيدة، وسيادة القانون هي البيئة الحاضنة الوحيدة التي تكيف الثقافة لصالح الإنتاج والإبداع.

3) إحياء النزعة الإنسانية في التفكير العربي :

التركيز على القيم المركزية المشتركة مثل :

العمل المتقن.., احترام الوقت..، المسؤولية الفردية..، وقبول التعددية..، باعتبارها أًسساً لا غنى عنها لأي نهضة حقيقية .

اذن :

الثقافة ليست قدراً مفروضاً بصيغة واحدة؛ فهي ما يصنعه الإنسان، وإذا أردنا للإنسان العربي أن يستعيد دوره التاريخي والحضاري، وجب عليه أن يتحرر من عبودية الماضي المتحجر ليصنع ثقافة تليق بتحديات المستقبل وتطلعاته.

لنواصل من خلال ماتقدم . ان نغوص في صميم البنية النفسية والاجتماعية التي تُبقي هذه الثقافة المعوقة متجددة، لنلامس الجذور الخفية لما يمكن أن نسميه : اقتصاد الاستنزاف النفسي والثقافي.

أولاً :
البنية النفسية للقبول بالوهن (آليات التكيف الدفاعية)

حين تغيب بيئة المؤسسات الحاضنة للإبداع وتتعثر شروط الفعل التنموي الحقيقي، يلجأ العقل الجمعي إلى آليات دفاعية لا واعية لحماية استقراره النفسي، وأبرزها :

الاستسلام للقدرية المشوهة :

لا تُوظف العقيدة هنا بمعناها الروحي العالي الذي يدفع للعمل والتوكل، بل تُستدعى كمخدر معرفي يبرر التراجع الحضاري ويصوّر الواقع المأزوم على أنه قدر محتوم لا رادّ له.

يتحول الصبر من قوة دفع إلى بلادة شعورية تُفرغ الإنسان من طاقته الاعتراضية والتغييرية.

شيطنة المبادرة الفردية :

في البنيات التقليدية التي تغلب عليها النزعة الجماعية السلطوية، يُنظر إلى الفرد المتميز أو صاحب الرؤية النقدية باعتباره خارجاً عن السرب أو مهدداً للتوازن المزعوم.

هذا الخوف الاجتماعي يفرز ضغطاً نفسياً هائلاً يدفع الطاقات الحية إما إلى الهجرة (الكفاءات)، أو إلى الانكفاء والقعود خوفاً من الصدام.

ثانياً :

ثقافة الاستهلاك الرمزي وغياب الإنتاج الحقيقي.

تعاني الثقافة العربية المعاصرة من أزمة حادة في طبيعة علاقتها بالزمن وبالقيمة :

الاستغراق في الماضي المجيد :

حيث يُعتبر التغني بالإنجازات التاريخية للأجداد بديلاً كسلساً عن بذل الجهد لصناعة إنجاز الحاضر.

يتحول التاريخ من مستودع تجارب ملهمة إلى عزاء وهمي يعوض الشعور بالعجز الراهن.

شكلانية الخطاب وموت المعنى :

يتجلى ذلك في الاحتفاء بالألفاظ البلاغية والاحتفاليات والمؤتمرات الشكلية التي تستهلك الميزانيات والطاقات الذهنية دون أن تُترجم إلى سياسات عامة، أو منتج معرفي..، أو قيمة مضافة في حياة المواطن.

ثالثاً :

نحو هندسة ثقافية جديدة (مفاتيح التحرر النفسي والمؤسسي).

لكي يتحول الإنسان العربي من ضحية لبيئة ثقافية مستنزفة إلى فاعل تاريخي، لابد من إحداث تفكيك بنيوي يرتكز على :

= تأسيس ثقافة الجدارة والمسؤولية الفردية :

التحول من ثقافة الاتكال إلى ثقافة تضع الإنسان أمام مسؤوليته المباشرة عن واقعه؛ فالتغيير لا يقع من خارج الذات، وتطور الأمم مرهون بحجم الانضباط الداخلي والالتزام بالعمل المتقن.

= رد الاعتبار للسؤال النقدي :

تربية الأجيال القادمة (في الأسرة والتعليم) على أن الشك المنهجي والسؤال الجريء هما شرطان أساسيان لإنتاج المعرفة، وأن طاعة النصوص أو الأعراف بلا وعي تُدمّر طاقة الابتكار.

= ربط الثقافة بالإنتاج المادي والقيمي :

الثقافة الحية ليست ترفاً فكرياً يُمارس في الصالونات، بل هي قوة إنتاجية ناعمة تُقاس بقدرتها على تحسين جودة الحياة، وتكريس سيادة القانون، وتدبير الاختلاف بحكمة ومؤسسية.

هذه الرؤية تفتح الباب واسعاً أمام تساؤلات أعمق حول دور النخب والمثقفين في قيادة هذا المخاض الصعب..

فكيف يمكن ان نرى دور النخبة العربية اليوم في تفكيك هذا العائق، أم أن النخبة نفسها أحياناً جزء من الأزمة؟.

انطلاقا من مسؤوليتنا نحمل شارة الثقافة نجد ان دور النخب الثقافية والفكرية في العالم العربي يمثل إحدى أكثر الإشكاليات تعقيداً؛ فبدلاً من أن تكون النخبة قاطرة التنوير والتحول البنيوي، سقطت قطاعات واسعة منها في أزمات مركبة جعلتها جزءاً من العائق الثقافي نفسه بدلاً من أن تكون حلاً له.

يمكنننا بخبراتنا جميعا تشخيص أزمة النخب العربية ودورها المأمول من خلال :

أولاً :

مظاهر أزمة النخبة العربية المعاصرة

الارتهان للسلطة أو للجمهور (غياب الاستقلالية المعرفية) :

نجد أنه انقسمت أجزاء واسعة من النخبة بين اتجاهين أحلاهما مر:

نخبة متماهية مع السلطة :
توظف أدواتها الفكرية لتبرير الأمر الواقع وإضفاء مشروعية على الركود.

نخبة شعبوية متماهية مع الشارع :
تخشى مواجهة السائد والموروث المغلوط، فتمارس مداهنة المزاج العام على حساب الحقيقة النقدية.

الانفصال عن الواقع العربي (الاغتراب المزدوج) :

اغتراب حداثي :
يتبنى أطراً ونظريات غربية جاهزة ويسقطها قسراً على واقع محلي دون استيعاب خصوصياته التاريخية والاجتماعية.

اغتراب سلفي :
يستدعي حلولاً وإجابات من مجتمعات تاريخية اندثرت ليعالج بها مشكلات القرن الحادي والعشرين.

الصراعات الأيديولوجية العقيمة :
استنزفت النخب طاقاتها في معارك استقطابية حادة

(علماني ضد دينيات، أصالة ضد معاصرة) على حساب القضايا المعيشية والتنموية البنيوية، مما أدى إلى تفتيت الجهد التنويري وإجهاد الوعي الجمعي.

ثانياً :

الدور المأمول.. كيف تتحول النخبة إلى عامل تغيير ؟ .

لإعادة بناء دور وظيفي حقيقي للنخبة، لا بد من التحول نحو نمط جديد من الفاعلية الفكرية والاجتماعية :

1 ) الانتقال من المثقف التنظيري إلى المثقف العضوي :

كما طرح أنطونيو غرامشي، يحتاج المجتمع العربي إلى مثقف لا يكتفي بالمصطلحات المجردة في الصالونات، بل يمتلك القدرة على تفكيك المشكلات اليومية للمجتمع (التعليم، العمل، الحوكمة، القيم الإنتاجية) وبناء بدائل عملية قابلة للتطبيق.

2) ممارسة النقد المزدوج :

شجاعة نقد الذات والموروث الداخلي بصرامة دون خوف من التكفير الاجتماعي، وفي الوقت نفسه نقد الاستعلاء والنمذجة الغربية دون السقوط في عقدة النقص.

3) التجسير بين المعرفة والمؤسسة :

دور النخبة ليس التأليف والخطابة فقط، بل المساهمة في بناء البيئات والمؤسسات التي تحمي الفكر المستقل وتدعم البحث العلمي، والتحول نحو التفكير القائم على البيانات والحلول السياساتية.

هنا نتوقف لنسال:

كيف نرى السبيل الأنجع لكسر حالة الفجوة والريبة القائمة حالياً بين الشارع العربي ونخبته الفكرية؟

انها نقطة مفصلية :

سؤال الفجوة والريبة بين الشارع العربي ونخبته الفكرية.

هذه الفجوة لم تأتِ من فراغ، بل هي نتاج تراكم تاريخي واجتماعي جعل المواطن العادي ينظر أحياناً إلى ) المثقف) إما ككائن متعالٍ يعيش في برج عاجي..، أو كشخص منفصل عن همومه اليومية المتمثلة في لقمة العيش..، والأمن..، والتعليم..، والكرامة.

ولكسر هذه الجدران.. وإعادة بناء جسور الثقة بين الشارع والنخبة، لابد من مسار عملي وفكري يتضمن حسب يبدو لي الآتي:

أولاً :
تشخيص سبب الريبة (لماذا يشك الشارع في نخبته؟)

أستاذية الخطاب الفوقي :

طالما خاطبت النخب جماهيرها من موقع الواعظ أو المتعلم الذي يريد تثقيف العوام، دون إنصات حقيقي لهمومهم اليومية ومشاكلهم الفعلية.

عقم النتائج :

كثرة النظريات والبيانات والمؤتمرات التي لا تنعكس إطلاقاً على جودة حياة المواطن البسيط، مما خلق شعوراً بأن النخب تغرد في وادي والواقع في وادي آخر.

التناقض بين الخطاب والممارسة :

حين يطالب المثقف بالحرية والعدالة ثم يسقط في فخ الانتهازية.. أو التبعية للسلطة.. أو الممول، يفقد صدقيته تماماً أمام الشارع.

ثانياً :
استراتيجيات ردم الفجوة وبناء الثقة المتبادلة

1) النزول إلى ميدان المشكلات اليومية (تجسير المعرفة) :

يجب أن يتحول دور المثقف من إلقاء المحاضرات الكبرى إلى الاشتباك الفكري مع التفاصيل الحية :

كيف نصلح التعليم الأساسي؟.

كيف نحسن إدارة الموارد؟ .

كيف نؤسس لثقافة العمل الجاد؟.

حين يرى المواطن أن الفكر يقدم له حلولاً حقيقية لمشكلاته، ستزول الريبة تلقائياً.

2) اعتماد لغة التواصل البسيطة والعميقة في آن واحد :

الاستعلاء اللغوي واستخدام المصطلحات المعقدة وغير الضرورية هي أدوات إقصاء. المثقف الحقيقي هو القادر على تبسيط أعقد المفاهيم الفلسفية أو الاجتماعية ووضعها في متناول المواطن العادي دون ابتذال أو تسطيح.

3) تبني هموم الناس دون شعبوية :

الوقوف بجانب قضايا المجتمع العادلة دون السقوط في فخ مداهنة الأخطاء الشعبوية الموروثة.

الشارع يقدر الشجاعة النقدية الصادقة إذا لمس فيها محبة المجتمع وحرصه على تقدمه، لا الرغبة في الاستعراض أو التقليل من شأنه.

4) بناء شبكات تواصل حقيقية (المجتمع المدني الفاعل) :

الانتقال من النخب التي تتواصل عبر وسائل الإعلام التقليدية أو الصالونات المغلقة إلى النخب التي تعمل داخل المبادرات المجتمعية..، والجمعيات..، والمنصات الرقمية المفتوحة التي تتيح حواراً أفقياً تشاركياً لا عمودياً سلطوياً.

الثقة لا تستجدى بالببانات، بل بالممارسة والمصداقية ، وحين تدرك النخبة أن دورها ليس توجيه الشارع كن أعلى ، بل مرافقة المجتمع في رحلة وعيه وبناءه، ستتحول الفجوة إلى شراكة حقيقية تفتح الأبواب أمام النهضة المنشودة.

نلتقي لنرتقي وبالوعي نصعد جميعاااااااااااا تحياتي.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى