



احتضن رواق “باب فاس” التاريخي بمدينة سلا، مساء الجمعة 5 يونيو 2026، افتتاح المرحلة الثانية من الدورة السادسة عشرة لمهرجان “مقامات”.
وتميز الافتتاح بحضور وازن لنخبة من المثقفين والفنانين والإعلاميين، حيث شكل حفل توقيع ومناقشة كتاب الإعلامي والأستاذ الكبير محمد الصديق معنينو، الموسوم بـ “سلا.. بعيون أجنبية”، أبرز محطات هذا الحدث الثقافي البارز الذي يسعى إلى ربط الذاكرة التاريخية للمدينة بأبعادها التنموية المستدامة.
وشهد اللقاء، الذي أداره باقتدار مدير المهرجان ذ. عبد المجيد فنيش، دعوة قوية ومؤثرة أطلقها الأستاذ معنينو؛ إذ شدد على الضرورة القصوى لتوحيد وتضافر جهود كافة أبناء سلا، من أكاديميين، مثقفين، فنانين، مؤرخين وعائلات عريقة، بهدف حماية وتثمين وصون التراث الحضاري للمدينة الذي يمتاز بالتنوع والأصالة. كما سلط الضوء بشكل خاص على أهمية تعميق البحث والدراسة في “تاريخ القرصنة” (الجهاد البحري) الذي تفردت به سلا، داعياً إلى جعله أيقونة المدينة وقطب رحاها الحضاري والسياحي.
وينبش كتاب “سلا.. بعيون أجنبية” في وثيقة استعمارية هامة وفريدة تعود إلى سنة 1937؛ وهي عبارة عن تقرير سري أنجزه المراقب المدني الفرنسي آنذاك، المدعو “أبادي”، تلبية لرغبة سلطات الحماية الفرنسية. وقام معنينو بترجمة هذا التقرير والتعليق عليه، كونه يعكس بوضوح وجهة نظر الحاكم الفعلي للمدينة ورؤية المخابرات الاستعمارية لمجريات الأحداث الوطنية الكبرى التي كانت تموج بها سلا في ثلاثينيات القرن الماضي.
ولم يقف مؤلف الكتاب عند حدود الترجمة، بل عمد إلى تفكيك التقرير الاستعماري وتحليله وتصحيح مغالطاته التاريخية والسياسية، معيداً الاعتبار للحركة الوطنية السلاوية النابضة. كما قدم معنينو تعريفاً شاملاً بالعديد من الشخصيات المحلية التي ورد ذكرها في الوثيقة، مبرزاً أدوارها الطليعية في العمل الوطني، المهني، والتربوي، ومؤكداً أن الإصدار يقدم “نظرة بعيون أجنبية” لمدينة شكلت مهداً للحركة التحريرية، ومختبراً لدور التعليم، الصحافة، والحياة الاجتماعية في المطالبة بالاستقلال.
من جانبه، أكد مدير المهرجان ذ. عبد المجيد فنيش، في كلمته التقديمية، أن هذه الدورة التي تنعقد تحت شعار “تراث سلا: من الصيانة والتأهيل إلى الوظيفة التنموية”، تأتي في سياق احتفالي مزدوج؛ يتزامن مع تخليد “جمعية أبي رقراق” للذكرى الأربعين لتأسيسها، ومرور قرن كامل على ميلاد أول جمعية تخصصت في الأنشطة الفكرية والمسرحية بالمدينة وهي “جمعية النادي الأدبي السلاوي”، مشدداً على أن المهرجان يسعى للمزاوجة بين التراث المادي واللامادي من خلال برمجة الأنشطة في فضاءات أثرية حية كـ (باب فاس، باب الصناعة البحرية، برج باب سبتة، سوق الغزل، وساحة باب احساين).
وفي خطوة تروم تشجيع القراءة والبحث العلمي، تم على هامش الافتتاح تدشين خزانة وسائطية برواق “باب فاس”، تضم عشرات الكتب القيمة التي أهداها الأستاذ معنينو للجمعية، إلى جانب منشورات أخرى لجمعية أبي رقراق. كما تميز الحفل بافتتاح معرض تشكيلي للفنانة رقية الزهر، في حين احتضن فضاء “باب الصنعة البحرية” أمسية روحية متميزة لـ “الفن العيساوي” أحيتها مجموعة القيدوم المقدم “ولد لعريف”، وقام بتنشيطها الفنان حسن الجندي وسط تفاعل جماهيري كبير.
جدير بالذكر أن المرحلة الثانية من مهرجان “مقامات”، والتي تنظمها جمعية أبي رقراق بشراكة مع قطاع الثقافة بوزارة الشباب والثقافة والتواصل، وعمالة سلا (المبادرة الوطنية للتنمية البشرية)، تستمر إلى غاية الأربعاء 10 يونيو الجاري.
ويتضمن برنامجها الغني عروضاً فنية تراثية بلمسات ابتكارية، وأنشطة موسيقية احترافية، فضلاً عن ندوات فكرية، ورشات تكوينية، لقاءات مفتوحة مع رموز الفكر والفن، ومعارض للفنون التشكيلية والتطريز التقليدي السلاوي الأصيل.